باحثون ومثقفون لـ «العرب»: الأمن الثقافي يحمي الثوابت ويُحفّز الإبداع
العرب القطرية -
[unable to retrieve full-text content] خالد مفتاح: حصن الهوية وصمام أمان العقد الاجتماعي فهد الباكر: دور محوري للفن في تعزيز التماسك الاجتماعي محمد المري: التكامل بين الإعلام والثقافة والتعليم في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، وتسارع تدفق المعلومات عبر الفضاء الرقمي، يبرز «الأمن الثقافي» بوصفه أحد المفاهيم المحورية في النقاش العام، ليس فقط باعتباره مصطلحًا أكاديميًا، بل كإطار جامع يمس الهوية والوعي والتماسك الاجتماعي. والأمن الثقافي يعني باختصار قدرة الدولة والمجتمع على حماية منظومتهما القيمية والرمزية واللغوية والهووية من التآكل أو التشويه أو التفكك، مع ضمان استمرارية الإنتاج الثقافي وحرية التعبير في إطار يحفظ التماسك الاجتماعي والاستقرار العام. وفي هذا الصدد أكد عدد من الباحثين والمثقفين في تصريحات خاصة لـ «العرب» أن الثقافة ركيزة من ركائز الاستقرار المجتمعي، وخط دفاع ناعم يحمي اللغة والذاكرة والقيم والهوية الوطنية بشكل عام من التشويه، مطالبين بضرورة التخندق حول الهوية الثقافية والذات الوطنية. وشددوا على أن الهوية القوية هي التي تنفتح بثبات، لا التي تنكفئ دفاعًا عن الذات، منوهين بأن صون الهوية يتم عبر دعم اللغة العربية، وتوثيق السرديات الوطنية، وتعزيز التعليم النوعي، وتشجيع الإنتاج الثقافي المحلي القادر على المنافسة عالميًا، فحين تكون لدينا روايتنا المتماسكة عن أنفسنا، نصبح أكثر قدرة على التفاعل مع العالم دون ذوبان أو انغلاق. في البداية يشير الباحث والأكاديمي خالد مفتاح إلى أن مفهوم «الأمن الثقافي» نشأ عبر مسار تراكم فكري طويل، حيث يبدأ أي مصطلح في العلوم الإنسانية كفكرة أولية ثم يتطور تدريجيًا ويكتسب دلالات متعددة. ويعود للأمن الثقافي جذور مبكرة، لكنه تبلور بصورة أوضح في القرن الماضي مع تصاعد ظاهرة العولمة وظهور الدراسات الأمنية النقدية، متوازيًا مع مفاهيم مثل الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ويُنظر إلى الأمن الثقافي بوصفه حصنًا يحمي المجتمع من التهديدات الثقافية الفعلية أو المفترضة، التي قد تتعلق باللغة أو الذاكرة الجمعية أو الممارسات الدينية أو العادات والتقاليد والأعراف، مع التركيز على الحفاظ على أسلوب الحياة السائد داخل المجتمع. ويؤكد مفتاح أن هناك فرقًا جوهريًا بين الأمن الثقافي والرقابة الثقافية، قائلاً إن الأول يمثل الهدف الغائي، بينما تُعد الثانية وسيلة إجرائية لتحقيقه، من خلال تحسين الأداء الفردي والمؤسسي باستمرار قبل وأثناء وبعد مواجهة التهديدات الثقافية. هذه العمليات تضمن حماية المجتمع وتعزز استقراره الثقافي والاجتماعي. وحول تأثير الأزمات السياسية في تشكيل الوعي الجمعي، يرى مفتاح أن هذه الأزمات تستنفر قوة الوعي الجمعوي وتدفع الأفراد للتوحد حول الهوية الثقافية والذات الوطنية، كما تعزز أركان العقد الاجتماعي والرابطة السياسية، وتدعم النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية في مواجهة التحديات. وتستدعي هذه الظروف استحضار التاريخ والموروثات الراسخة في الذاكرة الجمعية، بحيث تتحول الأزمة إلى لحظة حاسمة عنوانها “أن نكون أو لا نكون”. وفيما يتعلق بسُبل تعزيز الأمن الثقافي في ظل العدوان الإيراني، شدد مفتاح على ضرورة ترسيخ الاتحاد بين الوطن بوصفه جماعة والمواطن بوصفه ذاتًا، وتفعيل العقد الاجتماعي والبيعة، والالتفاف حول القيادة الرشيدة. كما ركز على تعزيز قيم الولاء والشرف والتضحية والصبر والمصابرة والدفاع عن الوطن، مستشهداً بالمادة (53) من الدستور القطري التي تؤكد أن «الدفاع عن الوطن واجب على كل مواطن». كما دعا إلى الالتزام بالتوجيهات الرسمية في أوقات المحن، والإكثار من الدعاء بأن يحفظ الله البلاد وينصرها على المعتدين. أما فيما يتعلق بقياس مستوى الأمن الثقافي، فيوضح مفتاح أن هذا المفهوم ظاهرة مركبة ومتعددة الأبعاد تشمل الجوانب الدينية والفكرية والتربوية والقيمية واللغوية والاجتماعية. ويمكن تطوير مؤشرات لقياسه عبر ضبط المفهوم إجرائيًا وبناء إطار علمي لمكوناته، مع تطبيق دراسات مسحية وكمية وتحليلية ومقارنة. وتكون هذه المؤشرات على مستويات مختلفة: داخليًا عبر قياس تفاعل الفرد مع مكونات الهوية من دين ولغة وتاريخ، ومدى إنتاجه الفكري والاجتماعي والإبداعي المقبول، وكذلك مستوى تفعيل قيم مثل الإحسان والحوكمة والشفافية والعدالة الاجتماعية؛ وخارجيًا عبر رصد مدى تأثير الوافد الثقافي وأدواته ومؤسساته ونظمه على البنية الثقافية. الفن والإبداع لا يتوقفان إن توقف الفعاليات الثقافية أحيانا لا يمكن النظر إليه بوصفه حالة ضعف مطلقة، كما لا يمكن اعتباره مكسبًا بذاته. في الظاهر، يتراجع الإيقاع العام للمشهد الثقافي، وتغيب المنصات التي تتيح التفاعل المباشر بين المبدعين والجمهور، وهو ما يترك فراغًا ملموسًا في الحياة العامة غير أن هذا التوقف قد يتحول إلى لحظة مراجعة ضرورية تعيد ترتيب الأولويات وتدفع نحو تقييم نوعية المنتج الثقافي لا كميته. وفي هذا الشأن يقول المخرج فهد الباكر، إن قرار توقف الفعاليات والعروض الفنية ينعكس بطبيعة الحال على المشهد الفني والثقافي من حيث تعطّل الأنشطة المباشرة، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الفن ذاته لا يتوقف. وأوضح أن الفنانين يتجهون في مثل هذه الظروف إلى ابتكار بدائل، سواء عبر المنصات الرقمية أو من خلال إنتاج أعمال تعبّر عن الواقع الراهن، لافتًا إلى أن الأزمات كثيرًا ما تدفع المبدعين إلى خلق أشكال جديدة من التعبير الفني تتجاوز القيود المفروضة. وبيّن الباكر أن الفن قادر على أداء دور محوري في تعزيز التماسك الاجتماعي، من خلال التعبير عن المشاعر المشتركة بين أفراد المجتمع، وتقوية الإحساس بالوحدة والتضامن، إلى جانب نشر الوعي ورفع المعنويات. وأضاف أن الفعل الفني يمنح الأفراد مساحة للتفريغ والتواصل، بما يسهم في تخفيف حدة التوتر وتعزيز الروابط الاجتماعية. وفيما يتعلق بالبدائل المطروحة في ظل توقف الفعاليات، أشار الباكر، إلى أهمية توظيف المنصات الرقمية لبث العروض والندوات والحفلات عبر الإنترنت، إلى جانب إنتاج محتوى مسجل قصير مثل العروض المسرحية المختصرة والندوات والمواد الموسيقية ونشرها للجمهور عبر الوسائط المختلفة. كما دعا إلى تنظيم لقاءات قصيرة مع المؤثرين في المجتمع لأغراض التوعية، وإطلاق مبادرات مجتمعية تشمل ورشًا ودورات تثقيفية، فضلًا عن تقديم محتوى ثقافي عبر الإذاعة والتلفزيون لضمان استمرارية التواصل مع الجمهور. ورأى الباكر أن الأزمات غالبًا ما تفرز أعمالًا مسرحية وفنية أكثر نضجًا، لأنها تعمّق الجانب الإنساني لدى الفنان وتدفعه إلى تقديم محتوى أكثر صدقًا وواقعية، مؤكدا أن مثل هذه الظروف تقلل من التركيز على الشكل لصالح الاهتمام بالمضمون، ما يفضي إلى إنتاج أعمال أكثر تأثيرًا وارتباطًا بقضايا الناس. ساحات الأمن الثقافي بدوره أكد الكاتب محمد بن سلعان المري، المتخصص في الإدارة الإعلامية، أن المنصات الرقمية أصبحت اليوم أحد أهم ساحات الأمن الثقافي، فهي لم تعد مجرد أدوات للتواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى فضاء فعال يشكّل الوعي العام، ويؤثر في اللغة، ويعيد تشكيل الذوق والمفاهيم، ويقود اتجاهات النقاش والمعرفة والانتماء المجتمعي. وفي قطر، حيث يصل انتشار الإنترنت إلى نحو 99% ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى 94.3% من السكان وفق أحدث التقارير، أصبح التأثير الرقمي جزءًا أصيلًا من المجال العام، والأمن الثقافي لم يعد مرتبطًا فقط بالمؤسسات التعليمية أو الإعلام التقليدي، بل أصبح مرتبطًا بما يُنتَج ويُتداول ويُعاد إنتاجه رقميًا يوميًا. وحول مواجهة التضليل الرقمي دون المساس بحرية التعبير، شدد المري على أن الحل لا يكمن في توسيع دائرة المنع، بل في تقوية الوعي المجتمعي، ورفع كفاءة التحقق من المعلومات، وبناء الثقة بالمصادر الرسمية والمهنية، موضحا أن المعادلة الصحيحة تقوم على ثلاثة مستويات متكاملة: أولًا، الشفافية وسرعة نشر المعلومة الصحيحة قبل أن يملأ التضليل فراغ المشهد؛ ثانيًا، تعزيز التربية الإعلامية والرقمية لتمكين الجمهور من التفريق بين الرأي والمعلومة، وبين الخبر والتلاعب؛ وثالثًا، تطبيق القانون على المحتوى الضار المتعمد، مع الحفاظ على المساحة المشروعة للنقاش والاختلاف. وأشار المري إلى أن المحتوى الثقافي الرقمي الجاد يمثل خط دفاع ناعم وحاسم لحماية الوعي العام، لأنه لا يكتفي بالرد على الشائعات بعد انتشارها، بل يسهم في بناء مناعة معرفية لدى المجتمع قبل وقوع الأزمات. وتقديم محتوى رقمي يرسخ الهوية الوطنية ويحترم اللغة، ويشرح التاريخ ويبرز القيم، ويناقش القضايا العامة بعقلانية، ما يساعد في رفع مستوى الوعي ويقلل قابلية الجمهور للانجرار وراء الإثارة أو التزييف، حينها لا تكون الثقافة الرقمية ترفًا، بل أداة استراتيجية تعزز الثقة بالذات الوطنية، وتحافظ على المعنى والذاكرة، بما يتوافق مع توجهات دولة قطر في صون التراث الثقافي وبناء وعي نقدي متماسك. وفي تقييمه لأداء الإعلام الرقمي في قطر، أشار المري إلى أن القطاع حقق تقدمًا جيدًا، حيث تمتلك الدولة بنية رقمية قوية، ومؤسسات واعية، وحضورًا إعلاميًا متقدمًا، إلى جانب جهود واضحة في التوعية بالأمن السيبراني ومخاطر الأخبار المضللة. لكن التحدي الحقيقي يكمن في جودة المحتوى واستمراريته وقدرته على مخاطبة الجمهور بلغة رقمية حديثة ومقنعة، خاصة في أوقات التوتر والأزمات. وأكد على ضرورة توسيع مساحة المحتوى الثقافي الجاذب، وتعزيز التكامل بين الإعلام والثقافة والتعليم، وعدم ترك الساحة للمواد السريعة التي تستنزف الانتباه دون أن تسهم في بناء وعي حقيقي، معتبرًا أن الاستثمار المستمر في المحتوى الرقمي الثقافي يشكل أداة من أدوات الأمن الوطني الناعم. كما شدد المري على أهمية وجود استراتيجية رقمية ثقافية واضحة في أوقات الأزمات، حيث تكشف هذه الظروف ما إذا كان هناك خطاب متماسك أم مجرد ردود أفعال متفرقة. وأوضح أن أي استراتيجية فعالة يجب أن تقوم على سرعة نشر المعلومة الموثوقة قبل انتشار التضليل، ووحدة الرسالة بين المؤسسات الإعلامية والثقافية والتوعوية، وتقديم محتوى يوضح السياق والمخاطر وطرق التحقق، مع تعزيز الهوية الوطنية والطمأنينة العامة حتى لا تتحول المنصات إلى مساحة للهلع أو الاستقطاب. وأكد على ضرورة إشراك المؤثرين والنخب الثقافية والأكاديمية في خطاب مهني منظم، إلى جانب الرصد والتحليل المبكر لاتجاهات التضليل والاستهداف الرمزي والثقافي، والاستثمار المستمر في التربية الإعلامية قبل وقوع الأزمات، لأن المجتمع الواعي هو الأقدر على التخفيف من آثارها عند حدوثها، مشددا على أن الأمن الثقافي في العصر الرقمي لم يعد قضية نخبوية، بل أصبح جزءًا من الأمن المجتمعي. وتابع: من هنا يمكن القول إن الأمن الثقافي ليس مجرد مفهوم أكاديمي أو ممارسة شكلية، بل أصبح ركناً أساسياً في صون الهوية الوطنية والتي تتحقق عبر تعزيز الثقة بالذات الثقافية، ودعم اللغة العربية، وتوثيق السرديات الوطنية، وتعزيز التعليم النوعي، وتشجيع الإنتاج الثقافي المحلي القادر على المنافسة عالميًا.

إقرأ المزيد