هل يخزن الوركان الصدمات النفسية؟.. خبراء يوضحون العلاقة بين التوتر والألم
عربي ٢١ -
قد يعتقد البعض أن آلام الجسم وتشنج العضلات لا يرتبطان بالعوامل الجسدية وحدها، بل قد يكونان انعكاسا لضغوط نفسية وتجارب مؤلمة سابقة.

ومع انتشار هذه الفكرة في أوساط المهتمين بالصحة والعافية، يبرز تساؤل بشأن مدى صحة الاعتقاد بأن الوركين يحتفظان بآثار الصدمات النفسية، وما الأسباب الفعلية التي قد تؤدي إلى تيبسهما، وكيف يمكن التعامل مع هذه الحالة وتخفيف أعراضها.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للطبيبة كيرين لاندمان، تناولت فيه الاعتقاد الشائع بأن "الوركين يختزنان التوتر"، موضحة أن الخبراء يؤكدون عدم وجود أدلة علمية تشير إلى أن الصدمات النفسية تؤثر في الوركين بصورة خاصة أو فريدة.

واستعرض المقال الأسباب المحتملة لتشنج الورك، والعوامل التي قد تزيد من حدة الألم، إلى جانب الطرق التي يمكن اتباعها للتخفيف من التيبس، والحالات التي تستدعي استشارة مختص.

هل توجد علاقة بين التوتر النفسي وتشنج الورك؟
انتشرت عبارة "الوركين يختزنان التوتر" بين المهتمين بالصحة والعافية، سواء خلال دروس اليوغا أو عبر منصة "تيك توك" وغيرها من المجالات المرتبطة بهذا القطاع.

وتقوم الفكرة على أن مفاصل الورك تشبه مخازن للمشاعر، وأنها قد تحتفظ بآثار الصدمات القديمة والذكريات المؤلمة. لكن هل يستند هذا الاعتقاد إلى أدلة علمية؟ وهل ينبغي أن يدفع تشنج الورك الشخص إلى التساؤل عن حالته النفسية؟.

اظهار أخبار متعلقة

على الرغم من أن الألم والتشنج العضلي قد يزدادان حدة عندما يمر الإنسان بفترات عصيبة، فإن الخبراء يؤكدون عدم وجود أدلة تثبت أن الوركين يتأثران بالتوتر النفسي بطريقة استثنائية مقارنة ببقية أجزاء الجسم.

وعند الشعور بتوتر عضلي، يمكن أن يكون السبب مرتبطا بواحد من احتمالين. يتمثل الأول في مقاومة العضلات للتمدد حتى عندما تكون في حالة استرخاء، وهي صلابة ذات طبيعة ميكانيكية تعكس خصائص أنسجة الجسم وطريقة استخدامها، ولا ترتبط بوضوح بالتوتر النفسي.

أما الاحتمال الثاني، فيتعلق باستمرار العضلات والأعصاب في نشاط منخفض المستوى يتجاوز الحاجة الفعلية، وهي حالة تحدث غالبا لدى الأشخاص الذين يتعرضون لضغوط نفسية.

ومع ذلك، لا يفسر أي من هذين الاحتمالين بصورة دقيقة جميع الأحاسيس التي يصفها الأشخاص، كما لا يحددان بالضرورة الموقع التشريحي للمشكلة. فعندما يتحدث الناس عن "تشنج الورك"، قد يكون المقصود شعورا بالألم أو الشد غير المريح أو التيبس، وقد يكون مصدر هذه الأعراض منطقة الأرداف أو الظهر بدلا من مفصل الورك نفسه.

وفي هذا الإطار، يوضح غريغ ليمان، أخصائي العلاج الطبيعي وتقويم العمود الفقري وخبير الميكانيكا الحيوية الذي يدرب الممارسين الصحيين على علم الألم، أن الأدلة العلمية تظهر العلاقة بين الإجهاد النفسي والتوتر العضلي الهيكلي بصورة أوضح في عضلات الكتفين والفك وقاع الحوض. ويقول: "لا يوجد شيء استثنائي يميز الورك عن غيره في هذا الصدد".

كذلك، فإن الأشخاص الذين تعرضوا لصدمات نفسية، خصوصا خلال مرحلة الطفولة، يكونون أكثر عرضة للإصابة بالألم المزمن، كما يميلون إلى إظهار حساسية أكبر تجاه الألم خلال الفحوصات المخبرية. ومع ذلك، لا يوجد دليل على أن هذه العلاقة تنطبق بصورة أكبر على مفصل الورك تحديدا.

ما الأسباب الأخرى التي قد تؤدي إلى الشعور بعدم الراحة في الورك؟
إلى جانب العوامل المرتبطة بالتوتر النفسي، قد تنشأ الأحاسيس المزعجة في مفصل الورك نتيجة مشكلات تشريحية. وتوضح آبي تشينغ، طبيبة الطب الرياضي المتخصصة في اضطرابات الورك بكلية الطب في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس، أن الأشخاص الذين يكون تجويف الورك لديهم ضحلا جدا أو عميقا جدا يميلون إلى الشعور بألم أكبر.

ومن الأسباب التشريحية الأخرى تهيج الأوتار أو الوسائد المملوءة بالسوائل الموجودة على الجانب الخارجي من مفصل الورك، وهي حالات تُعرف بالتهاب الأوتار أو التهاب الجراب، وتشيع بصورة خاصة لدى النساء في منتصف العمر وكبيرات السن.

وفي المقابل، توجد أسباب أخرى يصعب تحديدها بدقة. إذ يعتقد تشينغ وغيره من المختصين السريريين أن آلام الورك والظهر قد تنجم عن قصر عضلات مقدمة الورك بسبب الجلوس، فضلا عن اختلالات أخرى في قوة العضلات وطولها.

لكن ليمان يشير إلى أن الدراسات لم تثبت وجود رابط قاطع بين قصر عضلات الورك والألم، موضحا أن عوامل عديدة أخرى مرتبطة بنمط الحياة الخامل قد تسهم في الشعور بعدم الراحة لدى العاملين في المكاتب.

اظهار أخبار متعلقة

ولا تقتصر العوامل المؤثرة في آلام الورك على المشكلات التشريحية، إذ تؤدي الصحة العامة دورا مهما في تحديد شدة الأعراض. ويوضح ليمان أن المشكلات التشريحية قد "تزيد من احتمالية الشعور بالألم"، لكن التوتر النفسي وسوء النوم وقلة النشاط والقلق غالبا ما تكون عوامل حاسمة في تفاقم الحالة.

كما أن الإحساس بتيبس العضلات لا يعكس بالضرورة مقدار التيبس الفعلي فيها. ويشير ليمان إلى أنه لاحظ في عيادته بعض الراقصين الذين يشكون من تيبس العضلات المأبضية، الموجودة خلف الفخذ، رغم أن "أقدامهم قادرة على الوصول إلى ما وراء رؤوسهم".

كيف يمكن تخفيف تيبس الورك؟
تتمثل الخطوة الأولى للتعامل مع تيبس الورك في زيادة الحركة، إذ يوضح تشينغ أن المشي وتمارين الإطالة الخفيفة وغيرها من التمارين قد تساعد على تخفيف التيبس. وإذا أدت هذه الأنشطة إلى تحسن الأعراض، فمن المرجح أن يكون السبب عضليا ولا ينطوي على خطر. وفي مثل هذه الحالات، تكون "الحركة بمثابة دواء".

لكن زيادة الحركة لا تعني الإفراط في ممارسة تمارين الإطالة أو تجاوز الحدود الآمنة. ويحذر تشينغ من أن المبالغة في الإطالة قد تسبب ضررا يفوق الفائدة، خصوصا إذا كان الانزعاج مرتبطا بعمق تجويف مفصل الورك. وفي هذه الحالة، يوضح قائلا: "أنت في الواقع تتسبب في اصطدام عظمتين ببعضهما البعض".

وإلى جانب الحركة المعتدلة، يُنصح بممارسة التمارين الهوائية (الأيروبيك) بانتظام، إلى جانب تمارين القوة مرتين أسبوعيا على الأقل. وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من انزعاج في الورك، يركز تشينغ على تمارين تقوية عضلات الأرداف، ومنها تمرين "المحارة" (Clamshell) وتمرين "مشية الوحش" (Monster Walks).

وقد تساعد هذه التمارين على تعزيز قدرة الورك على تحمل الاستخدام، كما تسهم في تحسين جودة الحياة مع التقدم في العمر. ولدى كبار السن على وجه الخصوص، تعمل تمارين القوة على زيادة كثافة العظام في منطقة الورك، مما يقلل من خطر الإصابة بكسور الورك الخطيرة.

ومن ناحية أخرى، فإن اتخاذ خطوات لتحسين الصحة العامة قد يساعد في تقليل الحساسية تجاه الألم. ويشير ليمان إلى أن كل ما يعزز الصحة يمكن أن يكون مفيدا، بما في ذلك ممارسة الأنشطة الهادفة وقضاء الوقت مع الأصدقاء.

متى ينبغي استشارة مختص؟
رغم أن زيادة الحركة قد تساعد على تخفيف تيبس الورك، فإن استمرار الأعراض أو تفاقمها يستدعي الانتباه.

وينصح تشينغ بطلب المساعدة الطبية إذا لم يتحسن التيبس مع زيادة الحركة، أو إذا أصبح أسوأ كلما زاد الشخص من نشاطه.

اظهار أخبار متعلقة

ويُفضل البحث عن أخصائي لا يقتصر فحصه على منطقة الورك وحدها، بل يقيّم الجسم بالكامل، ويسأل أيضا عن مستويات التوتر النفسي وجودة النوم، بما يساعد على فهم العوامل المختلفة التي قد تسهم في ظهور الأعراض أو تفاقمها.

وقد تكشف الفحوصات التصويرية، مثل الأشعة السينية (X-ray) والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، أحيانا عن أسباب محتملة للأعراض. غير أن ليمان وتشينغ يشيران إلى أن هذه الفحوصات لا تحدد عادة موضع الألم بدقة، كما أن نتائجها لا تشير بالضرورة إلى المصدر الفعلي للانزعاج.

وفي هذا الصدد، يؤكد ليمان أن البنية التشريحية للجسم تظل عاملا مهما، لكنها ليست العامل الوحيد الذي يحدد تجربة الألم، قائلا: "إن بنية الجسم ليست أمرا غير مهم، لكنها لا تحدد مصيرك حتما".

تقبل الألم قد يساعد على التحسن
إذا استمر الشعور بالانزعاج رغم محاولات التخفيف منه، فقد يكون من المفيد محاولة التصالح مع الوضع، بدلا من الاستمرار في البحث عن حل بصورة لا تنتهي.

ويشير ليمان إلى أن البحث عن علاج يظل أمرا مشروعا، لكن تقبل وجود قدر من الألم قد يكون أسهل أحيانا، موضحا: "لا بأس في البحث عن حل، لكن تقبّل وجود بعض الألم قد يكون أسهل أحيانا.. والمفارقة هنا هي أن هذا التقبّل يساعد في التحسن".



إقرأ المزيد