الشرق - 9/15/2026 6:56:38 AM - GMT (+3 )
صدرت رواية جديدة للروائية والباحثة سمية تيشة، بعنوان «شارع شكسبير»؛ وهي رواية نفسية تراجيدية، تعيد فيها الكاتبة تشكيل الإنسان من خلال مجموعة من الحكايات والقضايا الاجتماعية والإنسانية المتشابكة. وتتوزع معظم أحداث الرواية الصادرة عن دار أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، بين شارع شكسبير ومقهى يحمل الاسم نفسه، ليغدو المقهى ملتقى تتقاطع فيه حكايات النساء وتجاربهن وصراعاتهن، وتنكشف من خلال جلساته أسرار كثيرة ووجوه مختلفة للحياة.
واستمدت الكاتبة أغلب شخصيات الرواية من شخصيات واقعية؛ إذ التقت مع أصحاب تلك التجارب، واستمعت إلى حكاياتهم، ثم أعادت تشكيلها روائيًا، لتمنح شخصياتها قدرًا من الصدق والقرب من الواقع، وتجعل حكاياتهن انعكاسًا لتجارب إنسانية شديدة التعقيد. وفي المقهى تلتقي بطلة الرواية «صوفيا» بمجموعة من النساء، لكل واحدة منهن حكايتها الخاصة وجرحها المختلف؛ امرأة تعاني صراعًا مع أبيها، وأخرى ترزح تحت وطأة الزواج، وثالثة تكابد مرارة الغربة، وأخرى تتخبط في الحب وتعيش دور العشيقة، تتقاطع حكاياتهن، وتنكشف اختياراتهن، ثم تمضي كل واحدة منهن نحو مصيرها، في صورة تكشف أثر القرارات والظروف والعلاقات في تشكيل حياة الإنسان. ومن خلال هذه الحكايات، تسلط الرواية الضوء على العادات والتقاليد البالية التي تحولت في حياة كثير من النساء إلى قيود، وجعلت بعضهن ضحايا لاختيارات لم تكن نابعة من إرادتهن.
لكنها في الوقت نفسه لا تكتفي بإدانة المجتمع أو القبيلة، بل تذهب أبعد من ذلك، لتضع الإنسان نفسه أمام مسؤولية اختياراته وعواقبها. وتكمن خصوصية الرواية، في أن الكاتبة لم تمنح القارئ موقفًا واضحًا ونهائيًا؛ إذ من الصعب أن يعرف القارئ هل هي مع النساء أم الرجال، مع التمرد أم ضده، مع الحرية أم مع الالتزام، كونها تضع الشخصيات في منطقة رمادية شديدة التعقيد، فلا تجعل طرفًا بريئًا تمامًا وآخر مذنبًا تمامًا، بل تترك لكل شخصية دوافعها وأخطاءها ومبرراتها ومصيرها. ولهذا بدت صوفيا نفسها امتدادًا لهذا التعقيد، فهي امرأة اختارت نفسها وتمردت على صوت القبيلة، لكنها لا تتوقف عن مساءلة ذلك الاختيار، وبين التمرد والندم، وبين الرغبة في الحرية والخوف من تبعاتها، تظل تبحث عن إجابة لسؤال لا يبدو أن الرواية تريد حسمه. والرواية تجمع بين الاختيار والتمرد، والحب والزواج، والقبيلة والأسرة، والغربة والبحث عن الذات؛ لتغوص في أعماق شخصياتها، وتكشف قسوة بعض الموروثات، غير أنها لا تعفي الإنسان من مسؤولية قراراته، لتترك القارئ أمام أسئلة أكثر مما تمنحه من إجابات: هل اختيار الإنسان لنفسه يعني بالضرورة أنه اختار الطريق الصحيح؟ وهل يكون التمرد دائمًا طريقًا إلى الخلاص؟ أم أن بعض أشكال الحرية قد تقودنا إلى مصائر لم نكن نتوقعها؟
إقرأ المزيد


