عربي ٢١ - 6/18/2026 6:20:24 PM - GMT (+3 )
وفي تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، سليط فيه الضوء على الأدلة العلمية التي تشير إلى أن ضعف الانتصاب قد يكون علامة تحذيرية مبكرة لمشكلات صحية كامنة، في وقت لا يزال فيه كثير من الرجال يترددون في مناقشة هذه المشكلة أو طلب المساعدة الطبية بشأنها.
ورغم شيوع هذه الحالة، فإنها لا تزال توصف بـ"الوباء الصامت"، إذ تشير المسوح والدراسات الاستقصائية إلى أن أكثر من نصف الرجال الذين تجاوزوا سن الأربعين يعانون من ضعف الانتصاب بدرجات متفاوتة، بينما يبدي عدد محدود منهم فقط استعداداً لمناقشة المشكلة حتى مع الأشخاص المقربين منهم.
وفي الوقت الذي يتعامل فيه مع هذا الموضوع غالبا بوصفه مادة للمزاح في الأحاديث الخاصة، تكشف الأبحاث الحديثة أن القضيب يشكل في كثير من الأحيان مؤشرا للحالة الصحية العامة للرجل، وأن ضعف الانتصاب قد يكون بمثابة جرس إنذار مبكر لمجموعة من الأمراض الخطيرة، من بينها السكري وأمراض القلب والسكتات الدماغية والخرف.
وفي هذا الإطار، يصف إيمانويل جانيني، اختصاصي علم الجنس بجامعة تور فيرغاتا في روما، والذي نشر مؤخرا مؤلفا أكاديميا يستعرض الأدلة العلمية المتاحة حتى الآن، ضعف الانتصاب بأنه "علامة تحذير مبكرة من مشكلة"، أي إشارة مسبقة إلى وجود خطر محتمل. ويرى أن تحسين آليات الكشف عن هذه الحالة قد يساعد الأطباء على تشخيص تهديدات صحية خطيرة قبل تفاقمها وتحولها إلى أمراض مزمنة، غير أن تردد كثير من الرجال في الحديث عن صحتهم الجنسية يحرمهم من الاستفادة من هذه الفرص التشخيصية المهمة.
ومن هنا تبرز أهمية فهم هذه المشكلة الصحية واسعة الانتشار، والأسباب التي تجعلها تستحق اهتماماً خاصاً من قبل الأطباء.
وفي ما يتعلق بمدى انتشارها، فإن تقدير المعدلات الفعلية لضعف الانتصاب يختلف باختلاف أساليب التعريف والقياس المستخدمة في الدراسات، وهو ما يفسر التباين الكبير في النتائج، حيث تشير الدراسات إلى أن نسبة انتشار الحالة عالميا بين الرجال البالغين تتراوح بين 3 في المئة و76.5 في المئة، وهو نطاق واسع للغاية، إلا أن إحدى أكبر الدراسات وأكثرها تفصيلا، والتي اعتمدت على نحو 1200 مشارك أكملوا استبيانات شاملة، خلصت إلى أن 39 في المئة من الرجال في سن الأربعين يعانون بصورة منتظمة من درجة ما من ضعف الانتصاب، بينما ترتفع النسبة إلى 67 في المئة عند بلوغ سن السبعين.
وبصورة عامة، ينظر إلى ضعف الانتصاب باعتباره اضطرابا يرتبط بسلامة الأوعية الدموية وكفاءة تدفق الدم خلالها.
ويحتوي القضيب على تركيبين إسفنجيين يمتدان بطوله ويعرفان باسم الجسمين الكهفيين، ويكونان في الوضع الطبيعي بحالة ارتخاء، وعند حدوث إثارة جنسية، يرسل الدماغ إشارات عصبية تؤدي إلى ارتخاء العضلات المحيطة بشرايين القضيب، ما يسمح بزيادة تدفق الدم إلى هذين التركيبين، ومع تمدد الجسمين الكهفيين، يبدآن بالضغط على الأوردة المسؤولة عن تصريف الدم من القضيب، الأمر الذي يؤدي إلى احتجاز الدم داخله.
وعلى غرار البالون الذي يزداد حجمه عند امتلائه بالهواء، يكتسب العضو صلابته أثناء الانتصاب، لذلك فإن أي عامل يحد من تدفق الدم أو يمنع تراكمه داخل الأوعية الدموية للقضيب ينعكس سلباً على القدرة على تحقيق الانتصاب أو الحفاظ عليه.
ولا تقتصر أسباب المشكلة على العوامل العضوية فقط، إذ تلعب الضغوط النفسية دوراً مهماً في كثير من الحالات، فالإجهاد المصحوب بزيادة إفراز هرموني الأدرينالين والكورتيزول قد يؤدي إلى تضييق الأوعية الدموية، ما يمنع الجسمين الكهفيين من اكتساب الصلابة الكافية، كما يمكن أن تسهم المستويات المرتفعة من الإجهاد في إعاقة إنتاج هرمون التستوستيرون، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الرغبة الجنسية وتراجع الاستثارة.
اظهار أخبار متعلقة
ويذكر أن الأشخاص المصابين باضطرابات الغدد، مثل اضطراب الغدد التناسلية، يعانون أيضاً من انخفاض إفراز هذا الهرمون.
إلى جانب ذلك، يرتبط الإجهاد غالبا بحالة من التشتت الذهني العام، ما يجعل المحافظة على التركيز أثناء النشاط الجنسي أكثر صعوبة.
ويرى جانيني أن لهذا الأمر أساساً تطوريا، قائلا: "إذا كانت البيئة تنطوي على مخاطر، فمن المهم عدم التكاثر"، إلا أن الإنسان المعاصر يتعرض لأنواع متعددة من الضغوط غير المهددة للحياة، ما قد يؤدي إلى تنشيط هذه الآلية الوقائية أكثر من الحاجة الفعلية.
اظهار أخبار متعلقة
وعلى صعيد آخر، قد يعكس ضعف الانتصاب وجود مشكلات صحية أوسع نطاقاً، وفي مقدمتها تصلب الشرايين، وهو اضطراب يؤدي إلى تضيق الأوعية الدموية وتصلبها، ما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وبما أن شرايين القضيب من أصغر شرايين الجسم، فإنها غالباً ما تكون أول ما يتأثر بهذه التغيرات المرضية، الأمر الذي يجعل ضعف الانتصاب مؤشراً مبكراً لاحتمال وجود مرض قلبي.
وأظهرت دراسة حديثة شملت تحليل بيانات 154,794 شخصاً أن الرجال المصابين بضعف الانتصاب كانوا أكثر عرضة للإصابة بمرض الشريان التاجي بنسبة 59 في المئة، كما ارتفع لديهم خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 34 في المئة.
وفي هذا السياق، يؤكد مايكل كارول، الباحث المتخصص في علوم التكاثر بجامعة مانشستر متروبوليتان في المملكة المتحدة، ومؤلف كتاب مرتقب بعنوان "خصيتاك: علم يفسر كيفية عملهما وماذا يعني ذلك لخصوبتك"، أن "الانتصاب الجيد هو مقياس مهم لصحة الأوعية الدموية".
كما تشير بعض الأدلة الأولية إلى احتمال وجود علاقة بين تدهور صحة القضيب وتراجع القدرات المعرفية، فقد بينت دراسة أُجريت في تايوان أن الرجال الذين شُخّصوا بضعف الانتصاب كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف بنسبة 68 في المئة خلال فترة متابعة امتدت سبع سنوات.
ويعزى ذلك إلى أن الدماغ، شأنه شأن القضيب، يعتمد على تدفق الدم بصورة سليمة لتوفير الطاقة والتخلص من الفضلات السامة.
وتزداد أهمية تشخيص ضعف الانتصاب لدى الأشخاص المعرّضين لخطر الإصابة بالسكري، نظراً لما يسببه المرض من أضرار متعددة للجهازين الدوري والعصبي، فعند سوء التحكم بمستويات السكر، قد يؤدي ارتفاع الجلوكوز المتكرر إلى التصاق كميات زائدة منه بالبروتينات الموجودة في جدران الأوعية الدموية، ما يفقدها مرونتها.
وكما يحدث في حالات تصلب الشرايين، يضعف هذا التغير تدفق الدم إلى الأنسجة والأعضاء المختلفة، وغالباً ما تكون الأوعية الدقيقة في القضيب من أولى المناطق التي تتأثر.
وفي هذا الصدد، يقول بوغدان فلاخو، الباحث في معهد سانت باو للأبحاث بمدينة برشلونة: "العلاقة بين مرض السكري وضعف الانتصاب وثيقة للغاية، فالرجال المصابون بمرض السكري من النوع الثاني أكثر عرضة للإصابة بضعف الانتصاب بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة برجال غير مصابين".
كما توصل فلاخو، خلال مراجعة حديثة للأبحاث العلمية، إلى أن الأشخاص الذين يعانون من السكري وضعف الانتصاب معاً يواجهون خطراً أكبر للإصابة باعتلال الأعصاب المحيطية مقارنة بمن يعانون من السكري فقط.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ ترتفع لديهم أيضاً احتمالات الإصابة باعتلال الشبكية الذي قد يؤدي إلى فقدان البصر، فضلاً عن اضطرابات التئام الجروح التي قد تستدعي البتر في بعض الحالات.
ورغم هذه المعطيات، لا يشكل الكشف عن ضعف الانتصاب جزءاً من الإجراءات التشخيصية الروتينية لدى مرضى السكري.
وفي هذا الإطار، يقول سانتياغو مارتينيز، اختصاصي الغدد الصماء بجامعة برشلونة والمشارك في إعداد المراجعة: "تشير الأدلة إلى أن العاملين في مجال الرعاية الصحية لا يناقشون هذه المشكلة مع المرضى بالقدر الكافي".
أما فيما يتعلق بالعلاج، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة طب المسالك البولية في المملكة المتحدة أن أكثر من نصف الرجال المصابين بضعف الانتصاب تجنبوا طلب المساعدة الطبية بسبب الخجل والقلق، كما أفاد 20 في المئة من المشاركين بأنهم يفضلون الامتناع عن شرب الجعة لمدة شهر على استشارة مختص بشأن هذه المشكلة.
ويرى كارول أن جميع الرجال الذين يعانون من ضعف الانتصاب ينبغي أن يطلبوا المساعدة الطبية، لأن ذلك لا يقتصر على تخفيف الضيق النفسي، بل يفتح أيضاً باب النقاش حول الصحة العامة للفرد، وهو أمر قد تكون له آثار منقذة للحياة.
ويشدد الباحث على أن "التدخل المبكر لمعالجة المشكلة أمر بالغ الأهمية".
اظهار أخبار متعلقة
ومن المهم الإشارة إلى أن ضعف الانتصاب ليس حالة مستعصية على العلاج، إذ تعمل أدوية مثل "السيلدينافيل (فياغرا)" على توسيع الأوعية الدموية في القضيب.
كما تشير بعض الملاحظات الطبية إلى احتمال تحقيق مستخدمي هذه الأدوية فوائد إضافية تتعلق بصحة القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك انخفاض خطر الإصابة بقصور القلب، إلا أن هذه الفرضية لم تثبت بعد من خلال التجارب الطبية المحكمة.
ويُذكر أن دواء فياغرا طُوّر في الأصل لعلاج بعض أمراض القلب والأوعية الدموية المرتبطة بارتفاع ضغط الدم قبل اكتشاف تأثيره المعروف لاحقاً.
كذلك أشارت دراسة شملت أكثر من 885 ألف مريض إلى احتمال ارتباط هذه الأدوية بانخفاض خطر الإصابة بمرض ألزهايمر إلى النصف.
وعلى أقل تقدير، فإن مناقشة ضعف الانتصاب مع الطبيب تتيح تقييم عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب، مثل ارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين، إلى جانب تقديم الإرشادات المتعلقة بالسمنة وغيرها من العوامل المؤثرة في صحة القلب.
وقد يسهم تعديل النظام الغذائي وزيادة النشاط البدني في تحسين الحالة لدى بعض المرضى، فيما يبقى التحكم الجيد بمستويات السكر في الدم ركناً أساسياً من العلاج لدى مرضى السكري، ومع ذلك، يؤكد مارتينيز وفلاخو أن الدراسات المتعلقة بتأثير هذه العلاجات على ضعف الانتصاب وقدرتها على تقليل المضاعفات الأخرى لا تزال في مراحلها الأولى.
في المقابل، قد يتطلب التمييز بين أسباب ضعف الانتصاب المختلفة جهداً تشخيصياً معقداً، نظراً لإمكانية ارتباط الحالة بعوامل سلوكية، مثل الإفراط في مشاهدة المواد الإباحية، أو باضطرابات نفسية تؤثر في الرغبة الجنسية.
ويقول كارول: "إذا كان المريض يعاني من مرض السكري أو من أمراض القلب والأوعية الدموية، فإن الربط بين الحالة وأسبابها يكون عادة أكثر وضوحاً وأسهل علاجاً. أما عندما تتداخل عوامل نمط الحياة، مثل تناول الكحول والتدخين، مع عوامل نفسية أو سلوكية كالإفراط في مشاهدة المواد الإباحية، فإن معالجة المشكلة تصبح أكثر تعقيدا، وغالبا يتردد هؤلاء الرجال في الكشف عن سلوكياتهم".
وبعيدا عن الجوانب الطبية، يدرس جانيني الأبعاد التطورية المحتملة لهذه الظاهرة، انطلاقاً من كون القضيب يمثل مؤشراً مهماً على الصحة العامة للرجل.
فالإنسان يعد حالة استثنائية نسبياً بين الرئيسيات، إذ يعتمد الانتصاب لديه بصورة أساسية على تدفق الدم، في حين تمتلك معظم الرئيسيات الأخرى، بما فيها الشامبانزي، عظماً متحركاً يعرف باسم "الباكولوم" يساعد على دعم الانتصاب والحفاظ على صلابة العضو أثناء النشاط الجنسي.
ولهذا السبب، لا ترتبط الكفاءة الجنسية لدى تلك الأنواع بالصحة العامة بالدرجة نفسها الموجودة لدى الإنسان.
ومن هنا يبرز التساؤل الذي شغل علماء الأحياء التطورية طويلاً حول أسباب فقدان الإنسان لعظمة القضيب واكتسابه في المقابل قابلية أكبر للإصابة باضطرابات الانتصاب.
ويرجح جانيني أن فقدان هذه العظمة أتاح لإناث البشر الأوائل وسيلة لتقييم الحالة الصحية العامة للذكور واختيار الشركاء الأكثر لياقة وقدرة على توريث صفات وراثية أفضل.
وأشار إلى أنه: "من الغريب جداً أننا فقدنا أهم عظمة مرتبطة بعملية التكاثر، لأن استجابتنا أصبحت شديدة التقلب، لكن ذلك يجعلها مؤشراً حيوياً مثالياً على احتمال الإصابة بأمراض مزمنة".
إقرأ المزيد


